تقرير المؤسسة الوطنية:

تنفيذ التوصيات مهمة حكومية

أصدرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في البحرين تقريرها السنوي الأول للعام 2013، بناء على أمر تشكيلها والذي ينص على (أن تضع المؤسسة تقريراً سنوياً عن جهودها ونشاطها وسائر أعمالها، تضمّنه ما تراه من اقتراحات وتوصيات في نطاق اختصاصاتها، وتحدّد معوّقات الأداء، وما تمّ اعتماده من حلول لتفاديها). وقد تميّز التقرير بالجرأة في طرح مختلف القضايا الحقوقية؛ وبشفافية عالية، وفي توصيف أوضاع حقوق الإنسان في البحرين، قبل أن يقدّم التقرير توصياته للحكومة.

لقد تحدث التقرير عن كل الموضوعات، في 150 صفحة غطّت ما يتعلق بالمؤسسة الوطنية نفسها، من حيث النشأة وبنائها التنظيمي واستراتيجيتها وخطط عملها؛ كما غطّت الحقوق المدنية والسياسية؛ وكذلك الحقوق الإقتصادية والإجتماعية؛ وحقوق الفئات الأولى بالرعاية؛ وقضايا الحوار الوطني والفساد.

إبتداءً أشار التقرير الى الجهات الحكومية كالوزارات والمؤسسات التي تعاونت مع المؤسسة من خلال الإجابة على خطاباتها المتعلقة بطلب توضيحات أو معلومات، وكذلك الجهات التي لم تتعاون معها. ومثله، أوضح التقرير الجهات التي تمت مخاطبتها من مؤسسات مجتمع مدني وحددها بالإسم، وبيّن تلك التي تعاونت معها من عدمه، سواء في إصدار التقرير أو غيره.

الحق في الحياة وفي السلامة الجسدية والمعنوية

عرّض الفصل الثاني من التقرير الى الحقوق المدنية والسياسية التي واجهت تحديات على صعيد الممارسة العملية. فقد أشار الى (الحق في الحياة وفي السلامة الجسدية والمعنوية) وبيّن أن عقوبة الإعدام صدرت بحق شخص واحد فقط في 2013؛ ولاحظ أن حكومة البحرين اعتمدت الوقف الإختياري لتنفيذ عقوبة الإعدام أو إلغائها بشكل مطلق.

وفيما يتعلق بالحق في السلامة الجسدية والمعنوية، أشار التقرير الى إنشاء وحدة التحقيق الخاصة، المختصة بالتحقيق في ادعاءات التعذيب، وأوضح (أن وحدة التحقيق الخاصة بصورتها الحالية لا ترقى الى الإستقلالية والحياد المنشودين، بما يضمن القيام بتحقيقات فاعلة). وأرجع التقرير الأمر الى حقيقة ان وحدة التحقيق قد أُسندت الى النيابة العامة (كونها جهة تباشر التحقيق مع فرد يجمع بين صفة المُتّهَم بارتكاب أفعال مجرّمة قانونا؛ وبين صفة المجني عليه كضحية تعرّض للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة).

ورأى التقرير ان وحدة التحقيق الخاصة لم تكن شفافة بما فيه الكفاية، حيث انها تصدر تقارير (مقتضبة لا ترقى الى مستوى التقارير العلنية التي يلزم أن تتضمن كحد أدنى من المعلومات التي أشار اليها بروتوكول اسطنبول). وقال التقرير ان المؤسسة الوطنية تقدمت بتساؤلات الى النيابة بشأن تسع حالات وفيات أحيلت للمحاكم، اتهم فيها 37 عضواً من قوى الأمن العام بينهم ستة ضباط (إلا أن المؤسسة الوطنية لم تحصل على المعلومات المؤكّدة حول طبيعة الأحكام الصادرة بشأن تلك الحالات؛ سواءً للأحكام الصادرة بالبراءة أو الإدانة، والمدد التي حُوكم بها المدانون، لعدم اجابتها ـ أي النيابة العامة ـ على ذلك).

واضاف التقرير بأن المؤسسة الوطنية (لاحظت وجود تباين بين الأحكام الصادرة بحق المتهمين في القضايا الأمنيّة كالتحريض على العنف أو أعمال الشغب وغيرها؛ والتي عادة تبلغ الأحكام فيها بالسجن مدداً طويلة؛ وبين تلك الأحكام الصادرة بحق المتهمين في قضايا التعذيب من منتسبي وزارة الداخلية، التي عادة ما تكون مخفّفة بما لا يتناسب والجرم المرتكب، أو الحكم بالبراءة. إذ إن هذا النهج ـ عند ثبوته ـ هو مدعاة للتشجيع على سياسة الإفلات من العقاب).

من جهة أخرى، ثمّن تقرير المؤسسة الوطنية جهود الأمانة العامة للتظلّمات بوزارة الداخلية فيما يتعلق بالسماح لها بزيارة مركز الإصلاح والتأهيل ـ سجن جو ـ وإصدارها تقريراً يتعلق بمدى تحقق المعايير القياسية المتعلّقة بالمعاملة الإنسانية وظروف المكان والحقوق والضمانات القانونية للنزلاء وكذلك الرعاية الصحية.

وفي حين يشير التقرير الى الجهود الحكومية المبذولة بشأن الحق في السلامة الجسدية والمعنوية، إلا أن هذا الحق (لايزال عرضة لكثير من الإنتهاكات تكاد تكون متواترة؛ حيث أن الأحداث الأمنية التي تشهدها المملكة أبرزت تلك الإنتهاكات من خلال الإستعمال غير الصحيح للقوة من قبل قوات الأمن العام، كاللجوء الى استعمال سلاح الشوزن، والقاء الغازات المسيلة للدموع داخل المساكن والأماكن المغلقة، والقنابل الصوتية، فضلاً عن الإدعاءات بالإعتداء بالضرب أثناء عملية القبض على المشتبة فيهم، حيث أوضحت عملية الرصد بالمؤسسة الوطنية، وجود حالات تمّ فيها انتهاك هذا الحق، ونتجت عنها إصابات جسديّة، بعضها يصنّف بالإصابة البليغة).

وأشار التقرير الى إنشاء الحكومة، الصندوق الوطني لتعويض المتضررين، بغرض الإنتصاف وجبر ضحايا الإنتهاكات، حيث قامت الحكومة بإيجاد بدائل لتسوية أوضاع المتضررين بأسرع إجراءات ممكنة من خلال ما سمي بـ (مبادرة التسوية المدنية). وأفاد التقرير بأنه منذ مارس 2012 تلقت وزارة العدل ما يقارب من أربعة وثمانين طلب تسوية عن حالات الوفاة، وأربعمائة وعشرين طلب تسوية تتعلّق بالإصابات، فتمّ تعويض جميع حالات الوفاة التي وردت في تقرير بسيوني (35 حالة، إضافة الى أربع حالات لم ترد في التقرير).

وكانت المؤسسة الوطنية قد قامت بدراسة العشرات من الشكاوى المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة، وأبدت رأيها القانوني فيها وأحالتها الى الجهات المعنيّة، ولكنها لم تتلقّ إجابة عليها. كما زار وفد من المؤسسة الوطنية مركز توقيف (الحوض الجاف) للتثبّت من مزاعم المعاملة السيئة، وقدم تقريراً الى الجهات المختصة التي نفت وقوع إساءات دون إعطاء تفاصيل. ثم قام وفد آخر بزيارة مركز التوقيف بعد وقوع فوضى وشغب من أجل التحقيق، فالتقى الوفد بالمسؤولين في المركز وعدد من الموقوفين وخلص الى (وجود آثار لاعتداء شديد على أنحاء متفرقة من أجساد الموقوفين.. على نحو يمكن وصفه بالعقاب الجماعي). وقد قدمت المؤسسة الوطنية تقريراً لوزارة الداخلية مشفوعاً بالتوصيات.

وأوصى التقرير الحكومة: باستقلالية وحدة التحقيق الخاصة، وفق بروتوكول اسطنبول؛ وأن تلتزم وحدة التحقيق بالبروتوكول بما فيه إصدار تقارير علنية؛ كما أوصى بالإنضمام الى البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب؛ وإصدار تشريعات لمراكز الإصلاح والتأهيل والحبس تتفق مع المعايير الدولية، بحيث تتبع وزارة العدل فيما يتعلق بالإشراف عليها. وحث التقرير الحكومة على سرعة صرف التعويضات، وإخضاع القائمين على نفاذ القانون لبرامج تدريبية شاملة؛ والحدّ من استخدام الحبس الإنفرادي كعقوبة تأديبية؛ والنظر في تحديد موعد لزيارة مقرر الأمم المتحدة المعني بالتعذيب؛ وإجراء مساءلة قانونية لجميع متخذي القرار من القيادات الأمنية فيما يتعلق بحالات الوفاة نتيجة التعذيب او غيره من سوء المعاملة.

الحق في الحرية والأمان الشخصي

تعرض تقرير المؤسسة الوطنية لعام 2013 الى الخلفية التشريعية المحلية والدولية فيما يتعلق بهذا الحق؛ كما أوضح الضمانات التشريعية والقانونية، وإجراءات وزارة الداخلية المتعلقة بالحفاظ على هذا الحق. ويرى التقرير ان الحكومة نجحت في وضع سياج قانوني موضوعي وإجرائي في تفعيل توصيات بسيوني (المادة رقم 1722/د) والتي توصي باتخاذ كافة الخطوات الممكنة لتجنب التوقيف بدون إتاحة فرصة الإتصال السريع بمحام، او منع التواصل مع العالم الخارجي، وأن تكون عمليات التوقيف خاضعة للرقابة، وإطلاع الشخص المقبوض عليه على صورة من أمر القبض.

ورغم هذا ـ يقول التقرير: (تعرض الحق في الحرية والأمان الشخصي لمساس بلغت ذروته الى حد كاد أن يكون فيه معدوماً في بعض الأحيان، حيث أن الإجراءات الأمنية الجارية أظهرت حالات كثيرة تعرّض فيها حق الفرد في الحرية والأمان الشخصي لانتهاكات تمثلت في قيام السلطات بالإعتقالات التي خلت من اتباع الاجراءات القانونية الصحيحة؛ رافقها تعدٍّ على حرمة المساكن وقاطنيها... واستعمال القوة من كسر أبواب المنازل وإتلاف الممتلكات فيها، ورافق بعضها تعدّ على الحق في السلامة الجسدية والمعنوية).

وفي هذا المجال أوصى التقرير بالتالي: القيام ببرامج تدريبية وتوعوية فعالة ومكثفة لأعضاء النيابة العامة والعاملين في جهازها التنفيذي، تعزز لديهم ثقافة حقوق الإنسان، واحترام حقوق المتهمين؛ واعتماد التدابير البديلة عن الحبس الإحتياطي؛ وتفعيل سلطة النيابة العامة الإشرافية بشأن المخالفات التي يقوم بها مأمورو الضبط القضائي في حال القبض او التفتيش او دخول المساكن وغيرها. وطالب التقرير الجهات التشريعة بتعديل قانون الإجراءات الجنائية بشأن حق المتهم في التظلم، وتقليل مدة الحبس الاحتياطي؛ وإيقاف التصرفات الفردية لأجهزة انفاذ القانون التي تشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان؛ وإيجاد نظام فعال وشفاف لمساءلة من يثبت تسببه في وقوع الإنتهاكات؛ وتذليل العقبات فيما يتعلق بحرية التنقّل؛ وإيقاف التصرفات غير القانونية عند نقاط التفتيش الأمنية؛ وأخيراً النظر والسماح للفريق المعني بمسألة الإحتجاز التعسفي بزيارة البحرين.

قضايا أخرى

فيما يتعلق بالحق في المحاكمة العادلة، انتقد التقرير جهات حكومية عديدة خرقت الضمانات المقررة دستورياً من خلال نشر أسماء وصور المتهمين في وسائل الإعلام الرسمية وبعض الصحف المحلية، الأمر الذي يخرق مبدأ افتراض قرينة البراءة، وبما يمس الكرامة الإنسانية للمتهم.

وفيما يتعلّق بالحق في الجنسية، أشار التقرير الى إسقاط الحكومة الجنسية عن 31 شخصاً، ورأى ان من حق الدولة القيام بذلك، شرط ألا يؤدي الى نشوء ظاهرة (عديمي الجنسية)؛ واضاف بأن قرار الإسقاط قد تسبّب في اعتبارهم أشخاصاً عديمي الجنسية؛ ولذا أوصى بضرورة إعادة الجنسية لمن أُسقطت عنهم.

وفيما يتعلق بالحق في حرية التعبير، أوصى التقرير بسرعة إصدار قانون الصحافة والطباعة والنشر والإعلام المرئي والمسموع والإعلام الإلكتروني، يتوافق مع المواثيق الدولية. كما أوصى بالسماح لجميع الجمعيات السياسية المرخصة باستخدام أكبر للبث التلفزيوني والإذاعي والإعلام المقروء. وحث التقرير النيابة العامة على عدم اللجوء الى أوامر التوقيف في قضايا الإعلام؛ كما حث الحكومة على تخفيف الرقابة والقيود المفروضة على وسائل الإعلام، ورفع الحجب المفروض على الجمعيات السياسية في إصدار نشراتها. واخيراً دعا التقرير الى ان تسمح الحكومة للمقرر الخاص المعني بحرية التعبير بزيارة البحرين.